LSE - Small Logo
LSE - Small Logo

مقدام الفياض

September 9th, 2020

الارشيف العراقي الرسمي ودوره في كتابة تاريخ العراق المعاصر… الواقع والتحديات

0 comments | 3 shares

Estimated reading time: 6 minutes

مقدام الفياض

September 9th, 2020

الارشيف العراقي الرسمي ودوره في كتابة تاريخ العراق المعاصر… الواقع والتحديات

0 comments | 3 shares

Estimated reading time: 6 minutes

أ.د. مقدام عبد الحسن الفياض

2013 مكتبة الاجيال الوطنية في عام

الأرشيف العراقي: تعريفه وخدماته

يمتلك العراق ارشيفاً عريقاً، يتم الاحتفاظ فيه بالأوراق الرسمية التي تخص تاريخه الحديث والمعاصر، وينقسم الأرشيف الى (عام وخاص)، يتوزع العام منه على شكل وحدات وثائقية في الدوائر الحكومية غير الأكاديمية كوزارات الداخلية والدفاع والخارجية والأوقاف والثقافة، كان جميعها مفتوحاً للكتّاب والباحثين والمختصين. فمثلاً كان يوجد في وزارة الداخلية مخازن كبيرة جداً، وكانت هناك في وزارة الدفاع دائرة ملحقة تسمى بـ(مديرية التطوير القتالي)، وقد تم اغلاق هذين المركزين الوثائقيين بعد عام 2003، ولم يبق سوى المراكز الوثائقية التابعة لوزارة الأوقاف ووزارة الثقافة مثل (المكتبة الوطنية) و(بيت الحكمة) وغيرهما، والمكتبات الملحقة بالمراقد المقدسة مثل مكتبة الروضة الحيدرية والمكتبة القادرية.                                       

أما الجامعات العراقية والمؤسسات التابعة لها، فتوجد فيها مراكز وثائقية، تحتوي على سجلات أرشيفية مصورة من مراكز عالمية كالوثائق الأمريكية والبريطانية والعثمانية الموجودة في الأمانة العامة للمكتبة المركزية .  

ويمكن أن نجد أرشيفاً وثائقياً ضخماً في المكتبات الشخصية والمكتبات الأهلية العامة كتلك الموجودة في النجف الأشرف والبصرة. * يُنظر: عدي حاتم عبد الزهرة المفرجي، التيارات السياسية في مدينة النجف الأشرف وموقفها من التطورات السياسية في العراق 1954-1963، (النجف، دار الميزان للطباعة، 2014).

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن تلك المراكز قد اضطلعت بدورٍ مهم في خدمة باحثو التاريخ عبر عقود طويلة، من خلال تزويدهم بما أمكن من وثائق ومخطوطات، وبفضلها ظهرت لنا آلاف الدراسات لأولئك المؤلفين المثابرين.

التراث الوثائقي الضائع

لقد تعرضت دور الأرشيف الوثائقية الى الكثير من الكوارث وعمليات الحرق والتدمير. وفَقَدَ العراق كمّاً هائلاً من أرشيفه الوطني ووثائقه النادرة في الأزمات السياسية، ففي أحداث انتفاضة عام 1991، دخلت فرق خاصة إلى محافظاتها الشمالية (كردستان) لتقوم بالاستيلاء على جميع الأوراق الرسمية في الدوائر الحكومية. أما في الجنوب فقد تعرضت دوائر الأمن والمخابرات والحزب، بل حتى الدوائر المدنية والتعليمية الى نهب وحرق مأساوي للأوراق الرسمية، قام بها من يجهلون قيمتها، أو باشر بها أعضاء الأجهزة الأمنية والحزبية، خوفاً من انكشاف أساليبهم الإجرامية لعامة الناس لأنها موثقة بشكل تفصيلي أحياناً.* يُنظر: مؤسسة الذاكرة العراقية IMF

ولدى العراق أرشيف خاص برئاسة الجمهورية والقيادتين القطرية والقومية لحزب البعث المنحل، تم التحفظ عليه في أواخر عهد النظام السابق في أقبية سرية، ليكون بعيداً عن فرق التفتيش الدولية الخاصة ببرامج الأسلحة الكيميائية، وتم احراق قسمٍ منه، خوفاً من وقوعه في أيدي المفتشين واطلاعهم عليه. كما وقع أرشيف الاذاعة والتلفزيون ووزارة الاعلام العراقية عام 2003 في أيدي سراق من نوع معين، استفادوا منه فيما يخص القنوات الفضائية والاعلامية كأرشيف صور ووثائق عن العراق الملكي * يُنظر المؤرشف العراقي د. مؤيد الونداوي

كانت وزارة الداخلية في عهد النظام السابق تحتفظ بأطنان من الأوراق الرسمية الثمينة، تلك المخازن كانت تضم حوالي 3 مليون إضبارة، هو مجموع ما لدى وزارة الداخلية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وما قبله بقليل، مكدسة في مخازن وأقبية متهالكة، معرضة للسرقة المستمرة والأيدي العابثة. وجاءت أحداث الاحتلال الأمريكي 2003 لتقضي على البقية الباقية منها. حيث بيعت أو أُحرقت أو أختفت* يُنظر عن مصير أرشيف الوثائق العراقية هنا.

وهنا لا بد من التوقف والإشارة الى القانون الذي يحكم عمل المراكز الوثائقية. فقد قام مجلس النواب بسنّ قانون يخصها بتاريخ 22 أيلول  2016، تؤشر عليه بعض الملاحظات، أهمها منحه سلطات واسعة لرؤساء وموظفي الدوائر المعنية في تقييد الاطلاع على الوثائق الرسمية من قبل الباحثين وأعطى صلاحيات غير محدودة لتلك الدوائر في الموافقة من عدمها، من دون ضوابط محددة، فلهم الحق متى شاءوا أن يحجبوا الإطلاع على الوثائق. * يُنظر موقع مجلس النواب العراقي http://arb.parliament.iq/archive/2016/09/22/

ولم يتم تفعيل مواد مهمة في القانون، من قبيل أن تتولى دار الكتب والوثائق الوطنية تسمية ممثلين عنها ترسلهم الى دوائر الدولة للوقوف على حالة الوثائق والتأكد من توفير المستلزمات الضرورية لها. ولا بد أن يتضمن القانون إعطاء الأرشيف الوطني صلاحية فحص الوثائق والمخطوطات التي تحتفظ بها مراكز الدولة ومكتباتها، أو تلك التي تمتلكها المؤسسات الأهلية العامة، والتفتيش الدوري لها. 

التحديات التي تواجه المؤرخ العراقي لكتابة تاريخ بلده

 واجه المؤرخون والباحثون العراقيون مشاكل جمة، كان اهمها عدم إمكانية الحصول على الوثائق الرسمية المحلية الخاصة بتاريخ بلدهم، لاسيّما وثائق العهد الجمهوري التي كانت قد تعرضت للحرق او التلف كما أسلفنا. وواجه هؤلاء وعلى مدى خمسة عشر عاماً موانع كثيرة، منها صعوبات الوضع الأمني، لاسيما في العاصمة بغداد التي تحتوي على أمهات المصادر، وبالتالي فإن إمكانية الحصول عليها بات صعباً.

فضلا عن صعوبة التعاون مع بعض مؤسسات الدولة، وامتناعها عن تزويد طلبة الدراسات العليا بالوثائق والمعلومات؛ إذ تمتنع تلك الجهات عن التعاون بحجة السرية، رغم المخاطبات الرسمية الواردة من جامعاتهم.

ويمكن إيراد مثال يتعلق على ذلك، في المعلومات التي تخص التطور الصناعي في عهد النظام السابق خلال المدة (1968- 1979م)، أو موضوع تطور التعليم في العراق في المدة نفسها، أو مشاريع البنية التحتية المنجزة في عهد النظام المذكور، لا تُمنح بحجة عدم الرغبة في تسليط الأضواء عليها وتذكير الناس بها. فلا يجد الباحثون سوى العرقلة والترهيب، واضطرارهم الى استبدال مشروعاتهم الدراسية بدراسات أخرى. * أمجد خضير رحيم محمد الدوري، التطور الصناعي في العراق 1958 – 1979م، رسالة ماجستير، كلية التربية جامعة تكريت، 2004م، ص 2.   

ونظراً الى هذه المعرقلات التي تضعها بعض الجهات فإن ذلك سوف يؤدي الى حدوث ثغرة في المدونات التاريخية عن تلك المرحلة، وهذا ما سيسبب في فقدان جزء مهم من مصادر الموضوع وضياع المعلومات التي يحتفظ بها المعاصرون في ذاكرتهم. 

قد وضعت مسألة كتابة التاريخ عن العلاقات الخارجية صعوبات بالغة أمام المؤرخ، منها أن الدمار واحراق وثائق وزارة الخارجية العراقية، قد شكل (كارثة ثقافية وعلمية) حلت بالبلاد وحرمتنا في الوقت نفسه من معين لا ينضب من المعلومات. مما أدى الى عزوف الباحثين والكتّاب عن الكتابة في مواضيع السياسة الخارجية أو العلاقات مع بعض الدول.

لذلك فمن الضروري بذل جهود مضاعفة من أجل كشف وحصر وثائق الأرشيف التابع للوكالات والقنصليات والسفارات الأجنبية العاملة في العراق عبر عقود وقرون مضت، ومن ثم طباعتها ونشرها. مما يسمح بتجديد كتابة تاريخ العراق بالاعتماد على ذلك الرصيد الثري من الوثائق، ويتطلب ذلك اقامة علاقات وطيدة مع المعاهد العلمية المتخصصة في الدول التي كان لها ممثليات في العراق، لا سيما الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية ودول الجوار وغيرها. 

لذلك يجب عمل كل ما يمكن لإنقاذ التراث العراقي الوثائقي، من خلال زيادة  الاعتمادات المالية المرصودة للأرشيف الوطني أو ارشيفات الوزارات، وتقديم الدعم اللوجستي لأرشفة الوثائق ألكترونياً.

ووضع خطط لإقامة دورات تدريبية للكوادر العاملة في دور الأرشيف. ومنحهم نظاماً وظروف عمل مشجعة، تتناسب والدور الدقيق الذي يضطلعون به. وإدراج الارشيف العراقي ضمن مشروعات التنمية الوطنية.

كما يشعر المؤرخون أن هنالك توجه غير علمي نحو إعادة كتابة التاريخ بالصورة التي تخدم الجانب السياسي أو الطائفي لهذه الجهة أو تلك. الى جانب وجود جهات سياسية تستميت في الدفاع عن قادتها ومموليها من الدول المختلفة، ولا تسمح لأي أحد المساس بهم تأريخياً، ولا تتورع في استخدام الطرق كافة بما فيها القوة والإرهاب لمنع المؤرخين من كتابة الحقيقة، وتتبع أساليب ملتوية لكتابة تاريخ مزيف للحقب السابقة، ولإسكات صوت المؤرخين، أو لشراء ذمم بعضهم، فضلاً عن جيوشها الالكترونية الجاهزة لمحاربة الباحثين وتسقيطهم.

ويتوسط المؤرخ العراقي مجتمعاً محافظاً، تسوده معتقدات دينية أكثرها غير قابل للنقاش، فضلا عن العصبية المناطقية والمفاهيم الاجتماعية والعشائرية التي تجعل المؤرخ أمام عدد لا حصر له من المحذورات التي تبث في نفسه الوهن والعوائق التي تثبط عزيمته.

Print Friendly, PDF & Email

About the author

مقدام الفياض

مقدام الفياض أستاذ في جامعة الكوفة وباحث متخصص في تاريخ العراق والخليج المعاصر. له عدة ابحاث في هذا المجال. حاصل على مرتبة بروفيسور منذ عام 2014

Posted In: Iraq

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Bad Behavior has blocked 1410 access attempts in the last 7 days.