كأول رئيس دائم للصومال في عقدين يستعد للحصول على ملكية إعادة إعمار البلاد التي مزقتها الحرب، يبحث جوناثان فيشر من جامعة برمنغهام فيما إذا كان اللاعبون الإقليميون مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا مستعدة للتخلي  عن  سيطرتها في الصومال. هذا المقال نشر في  بلوق قسم التنمية الدولية في جامعة برمنغهام.         

وهكذا انتهى المؤتمر. بعد أشهر من التحضير، وعدم الرضا عن قوائم الضيوف وقياسات الأعلام والصياغات المعادة لترتيبات الجلوس انتهى مؤتمر الصومال. وقد صدر البيان الختامي، وتم تحميل الخطب على مواقع يوتيوب وتهيأ الحضور للمحطة التالية من الحملة الترويجية لإعادة الإعمار. ويتطلع ممثلو الإدارة الصومالية الجديدة إلى مناقشات رفيعة المستوى في طوكيو ونيروبي وبروكسل وإسطنبول فضلا عن نيويورك وأديس أبابا خلال الأشهر المقبلة، حيث سيتم بلورة الخطط لإعادة بناء الدولة السابقة المدمرة بالتشاور مع الشركاء الإقليميين والدوليين. إذن ماذا يمكن أن يقال، عن الحدث في لندن الأسبوع الماضي؟ هل هو الخطوة الأولى على الطريق إلى ولادة جديدة للصومال أم هو يوم واحد للبيانات وغرف الفنادق المعدة؟ هل هو المؤتمر الذي سيسير في  تجديد الالتزام بإعادة بناء البلاد المحطمة، أم أنه كمؤتمر الصومال في لندن العام الماضي، من شأنه أن يذكر أنه أكثر قليلا من قمة صومالية غير منطقية أخرى؟

صورة توضيحية) رئيس الوزراء البريطاني مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في لندن في السابع من شهر أيار.

صورة توضيحية) رئيس الوزراء البريطاني مع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في لندن في السابع من شهر أيار.

الإجابات على هذه الأسئلة، بطبيعة الحال، ستأتي مع الوقت، ولا يمكن أن تكون في البيانات المدروسة، ولكن بطريقة غامضة، الصادرة عن المؤتمر على مدى المداولات يوم الثلاثاء الماضي. ومع ذلك، فمن الغني عن القول إن أي نجاحات في الصومال ستأتي من مزيج من أمرين: مستوى الالتزام من حكومة حسن شيخ محمود الضعيفة (التي هي في السلطة منذ الخريف الماضي) لكسب “قلوب وعقول” الصوماليين خارج عسكرة مقديشو، وإلى أي مدى سيكون استعداد الممثلين الدوليين (بما في ذلك الدول الأفريقية الإقليمية) لتقديم الدعم للحكومة الصومالية في جهودها للقيام بذلك. إن الدور المتطور للدول المجاورة للصومال، وخاصة إثيوبيا وكينيا وأوغندا، في وقت يحاول البلد الوقوف على قدميه هو، في الحقيقة، واحد من الجدالات الرئيسية التي لا يزال يتعين القيام بها بطريقة شفافة. ومع ذلك، فهو  يبقي أحد الفيلين في الغرفة عندما يتعلق الأمر في البحث عن  “حلول الصومال” على الصعيد العالمي (كما قد تراها المجلة البريطانية – برايفت آي)، والآخر يتعلق بالتواجد الذي  يلوح في الأفق لإسطنبول والنهج الأحادي  لها الرامي  إلى ولوج الدبلوماسية الصومالية.         

بالنسبة لإدارة الشيخ حسن، فإنها مدينة تقريبا بالكامل حتى في  قبضتها الضعيفة على مدى مقديشو إلى إخوانها الأفارقة؛ حيث تشكل القوات الأوغندية الجزء الأكبر من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الافريقي (أميسوم) التي دفعت ميليشيات حركة الشباب الإسلامية خارج العاصمة الصومالية، واستعادت النظام هناك منذ إنشائها في عام 2007. وبالمثل، فإن المعركة لتوسيع نفوذ الحكومة في بقية أنحاء البلاد التي لا يزال  كثير منها يخضع لسيطرة حركة الشباب خارج المدن الرئيسية، لا تتم من القوات الحكومية – مثلما هي الآن – ولكن من جانب القوات الإثيوبية والكينية التي تدخلت في الصومال في عامي 2006  و 2011 على التوالي. لذلك فإن إعادة بناء الصومال يتوقف كثيرا على إنشاء جهاز أمني قوي ومنضبط وذي قاعدة عريضة يراه الصوماليون، رعيا، ويمكنه تسلم القيادة من بعثة الاتحاد الأفريقي (أميسوم) والقوات الإثيوبية في الأشهر والسنوات القادمة.

وتتعاون الحكومة الصومالية في تطوير هذا الجهاز الأمني  مع شركائها الإقليميين في مؤتمر الصومال،  ويبقى أن نرى كيف ستكون الاستجابة له من الناحيتين التشغيلية والسياسية. مناقشاتي الخاصة مع المسؤولين الأفارقة والمراقبين في أديس أبابا وكمبالا خلال الشهر الماضي، تقودني،على أية حال، إلى الاستنتاج بأن المسار إلى تسليم السيطرة للقوات الصومالية لن تكون متناغمة كما يوحي إليه البيان يوم الثلاثاء. إن كينيا وإثيوبيا وأوغندا لا تزال، لبعض الوقت، منقسمة على بعض االمسائل الأساسية (على سبيل المثال، ما إذا كان ينبغي للصومال أن تعتمد نظاما سياسيا اتحاديا أو وحدويا)، ولكن هذه الدول تبقى متفقة إلى حد ما على المسائل الأخرى. إن مسألة قدرة الحكومة الصومالية الجديدة على تقديم مثل هذا القطاع الأمني ​​القوي والشامل تكمن في هذه النقطة الأخيرة، والتي يمكن لجميع الإدارات الثلاث أن تجيب عنه بشكل منفرد بالسلبية. المشكلة بالنسبة لهم، هي ليست عدم قدرة مقديشو الملاحظة، ولكن كرهها لطلب المشورة من الرعاة الإقليميين.

خلافا لأسلافه، الذين ترأسوا “الحكومة الانتقالية” بين 2004-2012، أصبح حسن شيخ في العام الماضي أول رئيس “دائم” للصومال منذ ما يقرب من عقدين، وأشرف بالفعل على إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية. بتشجيع من مظاهر السيادة هذه، قد تبنى الزعيم الصومالي شخصية أقل تبعية بكثير في تعاملاته مع النظراء الإقليميين، مصرا بشكل متزايد على البقاء في مكانه  بدلا من اللجوء إلى الرئيس الأوغندي أو رئيس الوزراء الاثيوبي لطرق الباب على الراغبين في إعادة إعمار الصومال.

هذه المواقف أثارت غضب شاغلي القصور الرئاسية الإقليمية الذين اعتادوا منذ  2005، على الدخول في مقديشو، وفي عام 2011، على سبيل المثال، أخرجت أوغندا بالقوة رئيس وزراء الصومال كجزء من ” اتفاقية كمبالا “، وضمنت تمديد الولاية للرئيس السابق شريف أحمد لمدة عام. إن النظر إلى الإدارة الصومالية على أنها إدارة عديمة الخبرة وساذجة ومحدودة النظر جعلت القوى الإقليمية راغبة في السماح لنفسها بالقيام بتنسيق الجهود الدولية في هذا البلد. ومع ذلك فهذه القوى أقل وضوحا على الصيغة التي ينبغي الاضطلاع بها في هذه المسؤولية، وعندما سألت أحد كبار المسؤولين من دولة أفريقية قريبة مؤخرا:  إن لم تكن المسؤولية للحكومة الصومالية، إذن، لمن ستكون؟   قال لي، بعد تردد قصير:إنه ينبغي أن تكون مسؤولية الاتحاد الافريقي …. أو [الهيئة الإقليمية] إيغاد … على الأرجح.

ستدرك أفريقيا ومراقبو المساعدات فورا  من هذه الديناميكية مناقشة مألوفة بشأن قضية “الملكية”، وهو مصطلح حاضر ولكنه زلق في العالم النامي منذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي.  إن كيفية تعزيز وتأمين “الملكية الصومالية” كانت بالفعل موضوعا  رئيسيا في العديد من الكلمات الملقاة في لندن الأسبوع الماضي. قد يكون النقاش مألوفا، لكن السياق ليس مألوفا بالتأكيد. ففي حالة الصومال، إنها ليست ببساطة أن  المانحين “الغربيين” يتفاوضون على الملكية مع المستفيدين من المعونات الأفريقية، ولكن تفاوض الأفارقة مع الأفارقة الآخرين عليها. القوات الكينية والإثيوبية والأوغندية وغيرها من القوات  في صومال اليوم قد أخذت دورا جزئيا كمانحين في السنوات القليلة الماضية، حتى إذا كان الكثير من تمويلها (على الأقل مع أعضاء بعثة الاتحاد الأفريقي) لا يزال يأتي من الحكومات الأوربية وحكومات أمريكا الشمالية.

إذن، لهذا المؤلف ثلاثة أسئلة رئيسية تنبثق عن مؤتمر الصومال. الأول: هل نجحت الحكومات الأفريقية في تعزيز “ملكية المتلقي” للتنمية حيث فشل المانحون الغربيون إلى حد كبير؟ الثاني: هل تريد الحكومات الإفريقية ذلك فعلا؟ والثالث: إلى أي مدى يكون هذا الأمر مبشرا في المستقبل؟ إن التدخل الأفريقي في الصومال، رغم أن لديه معارضين، يمثل  حتى الآن  واحدة من  أنجح مهام حفظ السلام الدولية التي تم تنفيذها في أي مكان، ومن أية جهة، في العقد الماضي. إلى جانب التزام الاتحاد الأفريقي وكفاءته المتناميين في قيادة تلك البعثات، وإحجام الدول الغربية عن تعهد قواتها بالمشاركة في مهامه، هل سندخل الآن في الأيام الأخيرة من بعثات حفظ السلام الدولية على غرار الأمم المتحدة؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل نحن بحاجة إلى البدء في التفكير بصورة أكثر جدية حول ما تعنيه الملكية “المحلية” عندما يقوم الجيران ببناء أو إعادة بناء جيرانهم؟

الدكتور جوناثان فيشر محاضر في قسم التنمية الدولية في جامعة برمنغهام، وعمله يركز على سياسات المعونات والعلاقات الإقليمية والدولية لدول شرق أفريقيا.                          

Read this post in English