عمر الجفّال

مظاهرة للتيار الصدري في ساحة الفردوس ببغداد – أبريل 2009

هذه المقالة هي واحدة من مجموعة من الإشادات لفالح عبد الجبار الذي توفي في 2018.

ظلّ تاريخ أحزاب المعارضة الإسلامية العراقيّة -بالنسبة للكثير منا نحن الجيل الذي ولد في أواسط وأواخر ثمانينات القرن الماضي- مثل لعبة البازل التي نحاول جمع قطعها لتركيب صورتها الشاملة. كان تقصّي حراك تلك الأحزاب مهمّة شاقّة، لا سيما وأن الكثير من القطع كانت ناقصة نتيجة للسنوات الطوال التي عاشتها هذه الأحزاب خارج البلاد متوزّعة على دول عديدة، فضلاً عن غياب أرشيف يؤسس لتاريخ المعارضة في ظل العملية السياسيّة الجديدة التي أُسست على انقاض دولة حزب البعث بعد احتلال بغداد من قبل الولايات المتحدّة الأميركية في نيسان / أبريل عام 2003.

بيد أن كتاب فالح عبد الجبار “العمامة والأفندي – سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الديني” الصادر عن  دار الجمل 2009، سرعان ما شَكّلَ قطع البازل المفقودة، ومثّل مدخلاً مهمّاً لفهم حركات الإسلام السياسي بشقيّها الشيّعي والسُّني التي باتت تحكم العراق اليوم، ونظراً لغلبة الصبغة الشيعية على المعارضة في العراق نتيجة لعوامل عديدة منها استهداف الأحزاب الإسلامية الشيعية من قبل النظام الديكتاتوري على مراحل متفاوتة الأمر الذي ساعد بضخِّ أعداد وأسماء جديدة إليها، إضافة إلى تصاعد التطييف السياسي الذي خلّفته الحرب العراقيّة الإيرانية مطلع ثمانينات القرن الماضي وحرب الخليج الأولى مطلع التسعينيات، ركّز الجهد البحثي لعبد الجبار في الكتاب على الشقّ الشيعي بشكل أكبر وأكثر عمقاً.

ولفترة غير قصيرة صار هذا الكتاب بمثابة الدليل الأساس، لنا نحن الكتّاب الشباب، للعلاقات المتشابكة بين الحركات السياسية الشيعية، وعلامات التغيّر التي طرأت عليها، ونقاط الاقتراب والتباعد فيما بينها، وخلافاتها الايديولوجية التي سبقت وصولها إلى سدّة الحكم. فالكتاب يبحث ويحلّل (وفي الكثير من الأحيان يؤرخ) للتاريخ السياسي المعقّد للحركة السياسية الشيعية، وذلك قبل أن يتحوّل إلى تفكيك الصراعات العقائدية والسياسية والاقتصادية داخل الحوزة الدينية، وتأثيرها في الفعل السياسي، ومن ثم التمثيل السياسي للطائفة الشيعية وحركاتها الاحتجاجية في التاريخ الحديث الذي أعقب تشكّل الدولة العراقيّة الحديثة في عهد الانتداب البريطاني عام 1920.

وتكمن أهميّة عمل عبد الجبار البحثي في هذا السياق بأنه جاء من خارج منظومة الإسلام السياسي التي صَدَّرت منذ نشؤها منظريّن ومؤرخين لحركتها، وهيمنت الرؤية الداخلية للأحزاب الإسلامية لفترة طويلة على أنها المرجع الرئيس لفهم الواقع السياسي الشيعي، وكان من الصعب إدراك المتغيّرات التي طرأت على سياسات وفهم المجموعات السياسية الشيعية، قبل بروز عدد من الباحثين بمقدمتهم عبد الجبار، فساهم الحراك البحثي الجديد على تفكيك الرؤى والافكار والايديولوجية السياسيّة الشيعية.

في “العمامة والأفندي”، يشخّص فالح عبد الجبار خطأ جسيماً بمنظومة التفكير السياسي لدى الأحزاب التي ستمسك بزمام السلطة بعد احتلال البلاد عام 2003، وبات هذا الخطأ يكلّف العراق كثيراً من الأزمات والدماء في أحداث متعدّدة من بينها سقوط ثلث مساحة البلاد على يد تنظيم “الدولة الإسلامية” المسمّى “داعش” في حزيران / يونيو عام 2014، ويتلّخص الخطأ بسيطرة فكرة “الانتقام” على الأحزاب الشيعية الخارجة للتو من هيمنة وملاحقة الدولة الشمولية بقيادة صدّام حسين، فضلاً عن تفسيرهم لـ”حكم الأغلبيّة” على أساس طائفي ديني، وبالتالي الهيمنة على السلطة وصبغها بايديولوجيا طائفيّة أُحادية.

وتبرز أهميّة فالح عبد الجبار أيضاً بصون علّميته والحفاظ عليها من الاستشراق الغربي وتأثيره على السيوسوليوجيين العرب، إذ انّه لم ينخرط في آراء لا تخضع لأي منطقٍ علمي تصنّف على أساسها الطوائف في العراق، مثلاً، ككتلة ثابتة وشاملة لها تجاه سياسي موحّد ونمط اقتصادي محدّد، وهي الآراء التي تتنافى، بطبيعة الحال، مع منطق الأوضاع العراقيّة المعقّدة والمتشابكة.

لم يهمل عبد الجبار الجانب الاقتصادي الذي يحدث تحوّلات كبيرة في المجتمعات، لكنه مثلما ظلّ ناقداً لليسار والماركسيّين العرب الذي وصفهم بـ”الجمود” لأكثر من مرّة بسبب استخدامهم التفاوت الطبقي كأرضيّة تكاد تكون وحيدة لفهم انبثاق الحركات السياسيّة من داخل المجتمعات، فإنه في “العمامة والأفندي” قدّم مثالاً عن كيفية الابتعاد عن هذا الجمود بعدم الاكتفاء بالمناهج الماركسية المتحجّرة لفهم وتقييم المتغيّرات الاجتماعية والسياسية في العراق.

إلا أن ذلك لا يعني أن فالح عبد الجبّار قد هجر ماركس، فالذي كان شاباً شيوعياً ماركسيّاً ودعا في أكثر من محاضرة ومقال إلى تطوير الفكر الماركسي، ظلّ شبح ماركس وأسلوبه يطارده. فبالإضافة إلى ترجمته “رأس المال” لكارل ماركس، فإن أسلوب ماركس في الاستعارة من الأدب للتدليل على الأحداث أو شرحها أو تبسيطها ظلّت حاضرة في كتابات عبد الجبار، وجهوده البحثية لا تكاد تخلو من الاستشهاد بالأعمال الروائية أو المشاهد المسرحيّة، على غرار أسلوب مؤسس الشيوعيّة.

وواحدة من مميزات فالح عبد الجبّار أنه نقل أحلامه أو أعماله السّابقة في الكتابة إلى مجال البحث الأكاديمي، فهو الذي عمل صحافياً لأعوام طويلة، صارت المقابلات الكثيرة والطويلة جزءاً أساسياً من أعماله الأكاديمية. ويذكُر من عمل معه أكاديمياً كيف كان الصحفي الذي كان عليه سابقاً، يخرج فجأة من معطف الاكاديمي، ليطرح الأسئلة تلو الأخرى بفضول الصحافي الشاب. وعلى الجانب الآخر، فإن المقرّبين من عبد الجبّار، لطالما تحدّثوا عن حلمه في كتابة الأدب عندما كان شاباً، وعلى هذا الأساس، فإن لغة الأدب بقيت حاضرة في كتاباته، لاسيما عندما يكتب باللغة بالعربيّة التي تبدو عند عبد الجبار صافية ومختزلة، وتراكيب جمله القصيرة ظلّت تشدّ حّتى القراء الذين يستصعبون كتاباته، خاصّة النظريّة منها، ويجدون متعة كبيرة فيها.

في واقع الحال، فإن فالح عبد الجبار في الأعوام الأخيرة بدا وكأنّه يسابق الزمن محاولاً الإمساك بكل شيء، وكان هناك ما يشبه العودة إلى الكواليس السياسية التي هجرها حين كان شيوعياً، بإشراكه بلجنة تشكيل حكومة التكنوقراط التي انبثقت عن حركة الاحتجاج التي تضمّ المدنيين العراقيين والتيار الصدري بقيادة رجل الدين الشاب مقتدى الصدر. وهذه الخطوة جرّت النقد الكثير على عبد الجبار، خصوصاً وأنه سبق ووجه، لأكثر من مرّة، نقداً قاسياً للصدر، وهو ما فُسِّر على أنه تناقضاً عند عبد الجبار، لكنه بروحية الحِجاج التي تتلبسه، ردّ بتفسير وشرح هذا الأمر في أكثر من مناسبة.

ويبقى العزاء الأخير برحيل عبد الجبار بصدور كتابين له باللغة العربية، قبل رحيله بفترة قليلة يمكن عدّهما مكملان لـ”العمامة والأفندي” هما “كتاب الدولة – اللوياثان الجديد” و”دولة الخلافة.. التقدم إلى الماضي”، والذي يُشرِّح في الأوّل منهما الإشكالية التي أحاطت ببناء الدولة في العراق ومعطِّلات اكتمالها، فيما يقدّم في الثاني رؤيته عن سبب ظهور التنظيمات التكفيرية، ويرمي باللوم على “الدولة الفاشلة” التي تتسبّب بهذا الخراب.


عمر الجفّال شاعر وصحفي عراقي مقيم في ألمانيا منذ عام 2016. يعمل نائباً لرئيس المرصد العراقي لحقوق الانسان. حاز على جائزة مصطفى الحسيني لأفضل مقالة لكاتب عربي شاب للعام 2017، وعلى منحة هاينرش بُل، وأكاديمية العزلة في ألمانيا. صدرت له مجموعتان شعريتان.
Print Friendly