LSE - Small Logo
LSE - Small Logo

Hashem Abushama

June 3rd, 2021

الترجمة بوصفها موقع صراع

0 comments | 2 shares

Estimated reading time: 8 minutes

Hashem Abushama

June 3rd, 2021

الترجمة بوصفها موقع صراع

0 comments | 2 shares

Estimated reading time: 8 minutes

هاشم أبو شمعة

الروائي والقاص والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني في مكتبه في عام ١٩٧٠. المصدر: ارشيف ملصق فلسطين

في كتابها الرائد نزع الاستعمار عن المنهجيات : الأبحاث والشعوب الأصلانية ،تؤرخ ليندا توهيواي سميث للعلاقة ما بين المعرفة والقوة التي يستند عليها الإنتاج المعرفي الغربي. تحاجج سميث بأن الدراسات البحثية هي “واحدة من الوسائل التي يتم عبرها إدارة النظام الذي يدعم الامبريالية والاستعمار ويضمن له تحققه”. العمل البحثي، بذلك، يتشابك مع تراتبيات القوة التي تنتجها كلًا من الامبريالية والاستعمار. يقوم الإنتاج والتداول المعرفي بين الجامعات، في أماكنها المختلفة، بتشكيل علاقات القوة هذه، ويكون بدوره مُشَكلًا بِها. تُذكرنا سميث بأن هذا التداول المعرفي هو “محل صراع بين مصالح وأساليب المعرفة في الغرب وتلك المتواجدة عند الآخر”. فالبحث هو موقع تتجلى فيه الهيمنة، وهو كذلك موقع نضال ضدها.

منذ يناير الماضي، أصبحت مشاركًا كمساعد باحث في مشروع التعاون الأكاديمي التابع لجامعة LSE. كان مشروع البحث الذي عملت ضمنه بعنوان “تصورات نيوليبرالية: قراءة في الاعلانات الجندرية والهويات في الضفة الغربية- فلسطين” بالتعاون مع جامعة بير زيت. يتضمن المشروع البحثي، في جزء منه، تطوير منهاج نقدي باللغة العربية حول موضوع النيوليبرالية من منظور جندري واجتماعي. كانت مهمتي بالأساس هي تسهيل عملية الترجمة من الانجليزية إلى العربية لمواد أكاديمية تناقش النيوليبرالية والنسوية. هذا التداول المعرفي-من لغة واحدة لأخرى ومن جامعة في انجلترا لأخرى في فلسطين- يشكل موقع صراع مشابه لما تتحدث عنه سميث.

خلال بحثي في عدد من قواعد البيانات عن مصادر باللغة العربية حول النيوليبرالية، وجدت القليل من النتائج. كانت أغلب المصادر التي وجدتها بالأساس في حقل الاقتصاد السياسي. من ضمنها، على سبيل المثال، الترجمة العربية لكتاب آدم هنية سلالات التمرد: قضايا الرأسمالية المعاصرة في الشرق الأوسط ، وكذلك مجموعة من المحاضرات من مركز مهدي عامل الثقافي بعنوان “اليسار العربي في مواجهة النيوليبرالية العالمية“. ووجدت كذلك دراسة قام بها المركز الخليجي لتطوير السياسات بعنوان “فخ النيوليبرالية في دول الخليج العربية“.

تُشكّل هذه النصوص نقطة انطلاق مثمرة نحو تقديم تحليل نقدي للنيوليبرالية الرأسمالية في المنطقة؛ والتي أفهمها على أنها أحدث تمظهرات الإمبريالية والاستعمار الجديد. فكتاب هنية، مثلًا، يُعرّف النيوليبرالية الرأسمالية في الشرق الأوسط على أنها نتاج لكلًا من الهيمنة الخارجية والتشكيلات الاجتماعية في المنطقة نفسها. تكمن أهمية البحث الذي يقدمه هنية في كونه يتفادى فخ التعامل مع المنطقة على أنها شيء خاضع للهيمنة الخارجية فحسب. فمثلًا، في سياق الضفة الغربية، على وجه الخصوص، يجادل هنية بأن اقتصاد السلطة الفلسطينية النيوليبرالي ليس انحرافًا أو شواذًا عن القاعدة، بل هو نتاج لهذه العلاقة الجدلية ما بين التدخل الغربي الأجنبي والتشكيلات الطبقية الموجودة في فلسطين.

وبالتالي، يجب علينا البناء على مقاربات الاقتصاد السياسي هذه من أجل البحث في فوضوية وتعقّد الحياة اليومية، وارتباطها الوثيق في علاقات القوى المختلفة. تتطرق ولاء قيسية، على سبيل المثال، للنظام الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي بوصفه “احتلال مغاير [1]” لأنه مشروع “شهواني” هدفه التخلص من الآخر، أي الفلسطيني العاجز، وابادته. يساعدنا تحليل قيسية لطبيعة الاستعمار الاستيطاني الجندرية والنخبة الفلسطينية المعتمدة عليه، بجانب مقاربة الاقتصاد السياسي لهنية، في تسليط الضوء على الطبيعة الجندرية والطبقية التي تعطي النيوليبرالية شكلها الحالي.

يتفق الكثير من الأكاديميين الآن بأن النيوليبرالية هي شكل من “عقلية الحكم” تفرض سيطرتها على جميع نواحي المجتمع، بما في ذلك الثقافة والحياة “الخاصة”. تُنتج النيوليبرالية التفاوتات الاجتماعية بشكل مكّثف، ولا تنحصر هذه التفاوتات على المستوى الطبقي فحسب، بل الجندري والعرقي كذلك. هناك ضرورة، إذًا، لفهم الطريقة التي تقوم من خلالها التشكيلات الطبقية الفلسطينية بصقل الرأسمالية النيوليبرالية، والتي هي أبوية وعرقية في طبيعتها. وكذلك فهم الطريقة التي تكون هذه التشكيلات الطبقية بدورها مصقولة بها. يهدف مشروع “تصورات نيوليبرالية” نحو طرح هذه الأسئلة. فبدلًا من النظر للهرميات الاجتماعية التاريخية كهياكل مفروضة من الأعلى للأسفل، يتطرق المشروع لها كعلاقات مُعاشة يمكن تطويعها، تكييفها وتعطيلها. يصب البحث اهتمامه على فهم الطرق التي تتجلى فيها العلاقات الجندرية والطبقية في الحياة اليومية، آخذًا الاعلانات التجارية كشيء يومي يعبّر عن هذه العلاقات.

يثير هذا تساؤلات عن كيفية فتح نقاش باللغة العربية، أو إثراء النقاشات الموجودة بالفعل ،حول انتشار الذاتية النيوليبرالية في فلسطين. ففي حال اخترنا ترجمة نصوص مؤثرة من الانجليزية للعربية حول هذه الثيمة، وهذا ما يقوم به مشروعنا، ما هي إذًا نوعية الأسئلة التي يتوجب علينا طرحها فيما يتعلق بعلاقة المعرفة والقوة؟ ماذا يخبرنا هذا عن الطبيعة المهيمنة للانجليزية كلغة، أو ما يطلق عليه نغوغاي وا ثيونغو، فيما يتعلق بالآداب الإفريقية، “قدرية موقع الانجليزية المنيع في أدبنا”؟ وأيضًا، ماذا يخبرنا هذا عن عملية الترجمة نفسها؟ هناك تأملين أود طرحهما فيما يتعلق بعملية الترجمة التي كنت منخرطًا بها في هذا المشروع.

بدايًة، هناك ميل في الأكاديميا الغربية نحو التعامل مع الآخر المعرقن[2] ك “بيانات خام”، أو ما يوصفه ألكسندر ويهيليه ب “اعتقال إثنوغرافي”. بعبارة أخرى، هناك ميل في الأكاديميا الغربية نحو النظر للمعرفة القادمة من دول الشمال على أنها عالمية، نظرية وقابلة للتطبيق على أي سياق، بينما يتم احالة تلك القادمة من دول الجنوب، أو خطاب الأقلية في دول الشمال، إلى حيّز الاثنوغرافيا المحلية. فعلى سبيل المثال، يعّرف ويهيليه الاستخدام الواسع لنظريات فوكو وأغامبين، والتي تحدث من دون النظر في السياقات التاريخية المحددة التي يكتبون منها، كتجسيد لهذا الميل الأكاديمي. ففي سياق فلسطين، هناك بالفعل استخدام متزايد لتحليلات فوكو وأغامبين، وهو، في غالبه، استخدام لا يطرح تساؤلات عن السياق الغربي المحدد الذي يكتب منه كلًا من المنظرين. في مقابل ذلك، الكتابات النظرية ذات العلاقة بالسياق الفلسطيني، مثل كتابات الروائي والمنظّر الفلسطيني غسان كنفاني وكتابات المنظّر اللبناني مهدي عامل، لم يتم إلا مؤخرًا تناولها ككتابات ملائمة نظريًا. إذ يتم عادًة التطرق لأعمال هذين الكاتبين على أنها نصوص اجتماعية فحسب، وليس بالضرورة كأعمال قادرة على تفعيل نقاشات نظرية حول الطبيعة المحددة لتشكيلات القوى في فلسطين ولبنان. الترجمة المتأخرة والمحصورة لأعمال مهدي عامل القيّمة، برأيي،  هي واحدة من الاثباتات أن عملية الترجمة غالبًا ما تكون من الانجليزية للعربية، ونادرًا ما يحدث العكس. تتطلب ترجمة النصوص من الانجليزية للعربية، إذًا، تعطيل لهذا الميل. ويمكن لهذا أن يحدث من خلال موضعة النصوص المترجمة ضمن نقاش نقدي مع المعرفة المنتجة في المنطقة.

ثانيًا، التداول المعرفي أحادي الجانب من دول الشمال إلى دول الجنوب هو امتداد للتاريخ الاستعماري والحاضر الاستعماري الجديد الذي يموضع الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية والاسبانية كلغات معيارية عندما يتعلق الأمر بالإنتاج المعرفي. وحتى أن ندرة الانتاج المعرفي المعياري (الكتب، النصوص، الأطروحات الجامعية إلخ.. في مقابل المعرفة التي ينسجها الناس ويعيشونها في حياتهم اليومية) يجب أن يُفهم، من وجهة نظري الخاصة، من خلال عدسة تأخذ بعين الحسبان التدمير الممنهج للعالم العربي بفعل الاستعمار، الاستيطان، الحرب، برامج التكييف الهيكلي، شروط العمل الأكاديمي وفرض المناهج.

المقالة الأولى التي نأمل ترجمتها تتعلق بـ النسوية النيوليبرالية. وتعني النيوليبرالية النسوية العملية التي تقوم من خلالها هذه الأخيرة ب”معاشرة الرأسمالية”. فبدلًا من تحدي النظام الرأسمالي، تعيد النسوية النيوليبرالية إنتاج القدرة الاستبدادية لهذا النظام وتوسيعها. ترجمة نص حول النسوية النيوليبرالية إلى العربية ومن أجل جامعة فلسطينية يتطلب منّا أن نفحص ونحلل الشكل المحدد الذي تتخذه النسوية النيوليبرالية في سياق “الاحتلال المغاير” في فلسطين. يتطرق مشروع “تصورات نيوليبرالية” لهذه الأسئلة بشكل جدّي من خلال استكشافه للطرق التي تقوم خلالها الشركات التجارية في الضفة الغربية باستغلال مجازات المقاومة والنسوية في خضم سعيهم لتحقيق الربح. تُشكّل ترجمة نصوص من الانجليزية للعربية جزءًا من مشروع أعمّ يحاول طرح أسئلة حول الطبيعة المحددة للاستعمار الاستيطاني والتشكيلات النيوليبرالية الرأسمالية الجندرية والطبقية في فلسطين.

هذه المبادرة لترجمة نصوص من الانجليزية للعربية ما تزال ذات أهمية حيث أنها تُتيح الوصول لنصوص غنية، وتثري النقاشات الموجودة بالفعل حول الطبيعة القمعية للرأسمالية النيوليبرالية. من خلال موضعة هذه الترجمات في سياق محدد وضمن مشروع أكبر يكون واعٍ لتشكيلات القوى في فلسطين، لا يتطرق مشروع “تصورات نيوليبرالية” للترجمة بشكل مفرّغ من سياقه. بل، في فهمي له، يحاول المشروع التعامل مع الترجمة على أنها موقع صراع. ويبقى السؤال، مع ذلك، حول الطريقة التي تتموضع فيها الترجمة في السياق الأوسع لل”النيوليبرالية المناهضة للعنصرية” والمحاولات النيوليبرالية للاستيلاء على حركات نزع الاستعمار في الجامعات البريطانية غير مجابًا. وكما يشير راهول راو، تفتح معضلة كهذه “مجموعة من الأسئلة أكبر من أن يتم التعامل معها ضمن الحدود التي تضعها الجامعة”. تتعلق هذه التساؤلات بإمكانية تحقيق برنامج حقيقي يهدف نحو نزع الاستعمار على المستويين المعرفي والمادي في جامعات دول الشمال ويذهب إلي ما هو أبعد من مشاريع التعاون ذات النطاق المحدود.

[1] مصطلح racialised أو معرقن يشير إلى علاقات القوة والهيمنة التي تقوم بالتوصيف القسري لجماعات معينة من منظور عرقي بغرض فرض هيمنتها على هذه الجماعات.

[2] يشير هذا المصطلح الذي تستخدمه قيسية إلى الخطاب الجندري والجنساني الذي تستخدمه الصهيونية في احتلالها لفلسطين. إذ ترى قيسية الصهيونية كمشروع “شهواني” قائم على الأيديولوجيا الأبوية والمعيارية الغيرية.


هذه المدونة هي نتاج لمشروع التعاون الأكاديمي LSE “رؤى نيوليبرالية: استكشاف الإعلانات والهويات الجنسانية في الضفة الغربية الفلسطينية” ، بالتعاون مع جامعة بيرزيت.

[This piece is available in English here.]

Print Friendly, PDF & Email

About the author

Hashem Abushama

Hashem Abushama is a doctoral candidate in human geography at the University of Oxford’s School of Geography and the Environment. He is also a Research Assistant at the LSE Middle East Centre for the project ‘Neoliberal Visions’.

Posted In: Palestine

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Bad Behavior has blocked 1847 access attempts in the last 7 days.